هشام جعيط

191

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

والإمارات ، والدول التابعة للثموديين « 1 » واللحيانيين قرب العلاء والحجر ، ودول النبطيين قرب الحجر وبصرى وصلخد والبتراء بالخصوص . والنبطيون هم الذين ضبطوا اللغة بواسطة الكتابة . إن المطابقة بين مفهوم عرب وترحل لا يفسر فقط بوجود صلة في الواقع ، بل بواقع وتمثل تاريخيين يضربان بعيدا جدا في الماضي . وقد تأيدت هذه المخلفات بكون أكثرية العرب المتميزين لغويا سواء أكان ذلك في شبه الجزيرة أم في جنوب الشام ، تمادوا في توخي نمط عيش الترحل . ولا شك أنهم استوعبوا كل أولئك الذين كانوا رحلا مثلهم من بين الأعراق الأخرى ، فكان كل مترحل يتعرب لغويا وينضم إلى الإطار القبلي . وبقيت القبيلة ونمط العيش الرعوي يحتلان الأولوية بالنسبة للمدينة . وكانا يصوغان بشدة الذهنيات والقيم ، وكانت المدينة تظهر في نظر العرب بمثابة الظاهرة المكتسبة الاستثنائية . وهي تفقد الشخص عروبته إذ تخلصه من بداوته . وهي تصنف المجموعة المدنية في إطار النماذج الخارجية ، وتغير من الذهنيات ، لكن القيم قليلا ما تتغير عموما إلا ببطء ، وتبقى اللغة طول الوقت ، ينتابها بعض التغيير . وهذا من شأنه أن يفسر الثنائية البارزة باليمن بين « احمور » و « عرب » ، وتواجدهما لا محالة ضمن وحدة قبلية فريدة ، هذا في حال ما إذا لم نقبل بالفارق العرقي الأصلي . وهو أيضا ما يوضح التعارض بين قريش من جهة ومجموع القبائل أو العرب « 2 » أو بين المهاجرين والأنصار والأعراب . تجري الأمور وكأن المدينة تفرز هوية جديدة ، هوية ثمودية وهوية الأنباط ، وهوية اليمن بأنواعه ، وهوية قريش كما هوية « أهل القرى » ، وبعد ذلك هوية أهل الكوفة وأهل البصرة . لكن هذه الهوية الجديدة تندمج في هوية أوسع هي هوية اللغة والدين والقيم . وهي تزيد اتضاحا كلما اقتربنا من ظهور الإسلام . ومن المتناقضات أنها هوية شديدة القوة ، فهي من أقوى الهويات التي ظهرت في التاريخ ، وكثيرة الضعف ، سريعة التفتت في آن . وهو أمر يعود إلى أن الواقع الموضوعي لهذه الهوية العربية الواضحة المتأكدة العنيدة ، لا يجد صدى في شعور مؤكّد بالذات . إن الترحل نمط عيش خصوصيته مفرطة بالنظر للنموذج القروي المدني للحضارات المستقرة المهيمنة على صعيد التاريخ . وهو ذاته مبدأ ثقافي بالمعنى الأنثروبولوجي خاضع ، مكيف بالطبيعة ، وغير خاضع للعالم التاريخي ، وهو ما يفسر مقاومته وهامشيته الأساسيتين .

--> ( 1 ) Ibid . , pp . 186 - 187 ؛ وكذلك كاسكل : « The Beduinization of Arabia » في : Studies in . Islamic Cultural History ورد ذكر مدينة الحجر في القرآن صراحة ( سورة الحجر 80 ) . ( 2 ) راجع مثلا الجاحظ « كتاب البلدان » ، ص 466 ، حيث نجد قريشا من جهة والعرب جميعا من جهة أخرى في موازاة أو تعارض .